شرح لعملية الاشتراك
بحث في الموقع
   
جميع المشاركات
للذهاب لمؤسسة فلسطين للثقافة اضغط هنا ...
 
قراءة في رواية طنين للأمير سيف الإسلام بن سعود
طباعة إرسال لصديق
قراءة في رواية طنين للأمير سيف الإسلام بن سعود
تاريخ النشر: 16/04/2007 - 11:46 م

قراءة في رواية "طنين "

خليل الصمادي

 khsemadi@yahoo.com

د . سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز آل سعود

الناشر دار الفارابي بيروت لبنان

الطبعة الأولى 2006

   هذه هي الرواية الثانية للأمير د . سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز آل سعود فالأولى حملت اسم " قلب من بنقلان" عن دار الفارابي بيروت   2004م.

وقبل الغوص في أعماق رواية " طنين " لابد من التعريف بالكاتب الراوي د . سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز آل سعود ولد في مدينة الرياض عام 1956 وحصل على شهادة الثانوية من معهد العاصمة النموذجي بالرياض وعلى البكالوريوس من قسم الإعلام ـ كلية الآداب ـ جامعة الملك سعود وعلى الماجستير من الجامعة نفسها أما الدكتوراة فحصل عليها من جامعة القاهرة ـ قسم الاجتماع ـ كلية الآداب ـ وكانت بعنوان " التأثير الاجتماعي للإعلانات التلفزيونية على الأسرة السعودية القاطنة بالرياض.

عمل الأمير من سنة 1981 وحتى عام 1998 في القطاع الحكومي السعودي ويعمل حاليا ( أستاذ متعاون ) في جامعة الملك سعود. بالإضافة إلى الروايتين له مقالات أسبوعية في عدد من الصحف السعودية جمع بعضها في كتاب "تنهيدة العربي الأخيرة" ،كما أنه يعد برامج ثقافية وأدبية إذاعية للإذاعة السعودية.

أما الرواية التي نحن الآن بصددها، فهي رواية تاريخية تمثل نهاية الدولة السعودية الأولى على يد إبراهيم باشا وما رافقها من خراب ودمار وأسر وحتى وفاة بطل الرواية الأمير خالد بن سعود غريبا عن الأهل والوطن في مكة المكرمة بعد أن لعب دورا هاما في المرحلة الثانية للدولة السعودية.

تمتاز أهمية الرواية أنها تمثل حقبة تاريخية مهمة من تاريخ المملكة في القرن الثامن عشر وهذه الحقبة التي عرفت بالدولة السعودية الثانية وما رافقها من حروب ودمار وولاء وتبعية وعقلانية وتطرف وجدال مثار من وقتها إلى يومنا هذا بالإضافة إلى أن مصادر هذه المرحلة قليلة جدًا استطاع الأمير سيف الإسلام أن يطلع على أكثرها ويصوغها شكلا أدبيا روائيا تمتع القارئ بلغة أدبية راقية وأسلوب سلس ينساب بين أسطرها يعبر عن بساطة بطلها وبساطة البيئة التي ترعرع فيها يافعًا.

 ومن الجدير ذكره أن نعرف ببطل الرواية " خالد بن سعود" كي تتضح الصورة أمامنا فيسهل علينا معرفة مغزى الرواية.

خالد بن سعود سليل الأسرة السعودية الأولى كان موضع إثارة جدلٍ حتى يومنا هذا، كان خالد من ضمن الأسرى الذين رحِّلوا إلى القاهرة بعد خراب الدرعية، وهو شقيق الإمام عبد الله بن سعود الذي أعدم في إستانبول، تم اختياره من قبل محمد علي باشا ليكون حاكما على الرياض التي دبت فيها الفوضى والخلافات بين الطامعين في الحكم، وأخيرًا يعود خالد على رأس حملة مصرية تركية بعد أن مكث سنوات عديدة في مصر التي غيَّرت بعض مفاهيمه السياسية والاجتماعية والفكرية وذلك لقربه من العالم الخارجي والتيارات الفكرية المتعددة من الأزهر الشريف إلى الكتب التي كانت تقذفها المطابع، إلى قصر محمد علي با شا، إلى الأزبكية، والمورسكي، وإلى الاختلاط مع علماء وطلاب علم وجاليات عديدة، كل هذه الأمور شكلت عند بطل الرواية مفهوما للحكم والسياسة تختلف عما عرفه فيما سبق ولعل مثل هذه الأفكار جعلته يغرد خارج سربه فلم يفلح لا هو ولا جيشه الذي تقوى به في الدخول إلى أعماق نفوس أهل نجد التي حكم بلادهم ثلاث سنوات إلا أنه لم يحكم عقولهم ولا قلوبهم ، وبالرغم من أنه سليل أسرة عريقة عرفت الحكم قبله منذ مئات السنيين إلا أنه مات غريبا وحيدًا في مكة المكرمة، بل كان لموته عيدا للذين أوكلوا بمراقبته وحراسته في إقامته الجبرية  هناك في 16 يونيو من عام 1861م الموافق لعام 1277 هـ

 هذا مغزى الرواية التي تتألف من 343 صفحات ضمت إهداء وشكرًا وسبعة رسائل مطولة أرسلها الأمير خالد بن سعود إلى صديقه النجدي القديم حمد بن محيمل المكنى " بأبي راشد" وقد عثر عليها بعد موته في غرفته المتواضعة قرب الحرم المكي ، هذه الرسائل السبعة حملت الرواية كلها من ألفها إلى يائها، فالرسالة الأولى  كتبت في منتصف شهر صفر من عام 1277 " والتي حملت عنوان " عودة للذكريات القديمة" وهي عبارة عن مقدمة للرواية وعن سبب مراسلة خالد بن سعود "لأبي راشد" وعن تبرير الاتهامات التي صارت تكال ضده،  وفي الرسالة السابعة والمؤرخة من اليوم الأخير من شهرذي القعدة من العام نفسه  تعلن وفاة البطل.

 وفي هذا العرض سنتعرض هذه الرسائل السبعة والأحداث التاريخية التي تضمنتها من ذكريات مريرة لحملة إبراهيم باشا التي بدأت في نجد عام 1252 هـ الموافق لـ 1836 م ومرورا بمغزى الرواية في الرسالة التي حملت عنوان " خيبات"  يوم أعد محمد علي باشا حملة قوية تحت قيادة ( إسماعيل بك) أحد قواده و( خالد بن سعود) لتنفيذ مهمة القضاء على سلطة  الأمير (فيصل بن تركي بن عبد الله) وتنصيب خالد مكانه.

فالرسالة الثانية التي تحمل اسم " أصل الأشياء" ففيها تفسير فلسفي من قبل خالد بن سعود لصديقه حمد مبررا فعلته التي لم ترق لمعظم أهل نجد الذين رأوا أن خالدا أخطا خطأ فادحا يوم قبل أن يتولى القيادة الاسمية لجيش يحارب البلاد والعباد، قضى على مهد الدولة السلفية التي كان كثير من الناس يعتبرها بيضة الإسلام والمسلمين، وأن الذين هدموا الدرعية عاثوا في الأرض فسادا وطغيانا ويستحقون العقاب والعذاب من الله عز وجل هذه الرسالة كلها ذكريات مؤلمة ومكاشفات واعترافات متأخرة وجلد للذات عما آلت إليه البلاد وبالرغم من قصر الرسالة فإنها تضع القارئ أمام أحداث جديدة أو تقترب من حبكة الرواية .

وفي الرسالة الثالثة التي حملت اسم" رايات النصر والهزيمة "يذكر فيها بطل الرواية الوحيد فلسفة تاريخية واجتماعية كان قد اكتسبها من وجوده في القاهرة عن أسباب النصر والهزائم للدول الإسلامية والكافرة ويستنتج البطل أن سبب انتصار الدول ونشر رسالتها هو العدل لأن العدل أساس الملك، أما القهر والظلم فدولته ربما ساعة أو أقل من ساعة، أما العدل فدولته لقيام الساعة، وفي هذه الرسالة أو الفصل اعتراف بالأخطاء التي تمارس باسم الدين والتدين من إجبار الناس على الطاعة قهرًا، ومن ناحية أخرى تتعرض الرسالة للدعاية المضادة للذين لا يروق لهم الفكر الذي يعارض مصالحهم وتطلعاتهم فيخشونه، فيهولون وينذرون ولكن بالتأكيد يهولون ويحرفون الكلام عن موضعه، فالذين كانوا يخشون الدعوة السلفية، وما أكثرهم في تلك الأيام ،كان شغلهم الشاغل تهويل الأمور ووصف الدعاة بعربان قادمين من الصحراء لا يعرفون المدنية أو الحضارة أو الحب والتسامح، بالطبع كانت القوى السياسية المؤثرة يومها وراء تلك الدعايات المغرضة فالدولة العثمانية ومحمد علي باشا والصوفية ومتعصبو المذاهب وغيرهم، لم ترق لهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكل يدلي بدلوه، وإن اختلفت الآراء فيها، ولكن يجمعها محاربة السلفية، ولهذا يجد خالد بن السعود أن رايات الهزيمة عجلت في سقوط الدولة السعودية الأولى لأسباب داخلية وخارجية، أعظمها محاربة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والقضاء عليها في مهدها.

وبعدها ينتقل إلى الرسالة الرابعة التي حملت اسم " انهيار دولة"   وهي رسالة طويلة استغرقت ما يقرب من ستين صفحة وهي وصف لما قام به إبراهيم باشا من خراب للدرعية عام 1233هـ الموافق لـ 1818م ثم يضع أسباب انهيار الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام عبد الله بن سعود ويرى أن سببها هو عدم ولاء بعض سكان البدو والحضر في أطراف نجد لإمامهم، ودولتهم،  بسبب تأديبهم من قبل جيش الدرعية الذي رأى أنهم حالفوا مع جيش طوسون في الحملة السابقة؛ فقد استغل جيش إبراهيم باشا هذه الثغرة واستثمرها لصالحه،فاستمال بعض القبائل له فوقفت تعارض الدرعية ورسالتها، ومن أسباب انهيار الدولة أيضا التسليح الضخم لجيش إبراهيم باشا ولا سيما مدفعيته الفرنسية ذات القدرة التدميرية الهائلة أمام جيش لا يملك إلا الأسلحة الخفيفة وربما بضع مدافع قديمة لا قيمة لها أمام جيش جرار،  أما المال الذي جلبه إبراهيم باشا معه فقد استمال به جزء كبير من رؤساء العشائر في طريقه لنجد وأخيرا حوصرت الدرعية حوالي ستة أشهر وأخذت الذخائر والمؤن تتناقص شيئا فشيئا وسقط مئات المدافعين عنها، ومنهم شقيق بطل الرواية " فيصل" قائد إحدى الفرق المدافعة عن الدرعية، وكثرت القبور وتفشت الأمراض، وأخيرا سقطت الدرعية وانهارت الدولة وأخذ كل أفراد أسرتي آل الشيخ وآل سعود إلى السجن في أحد القصور ريثما يتم ترحيلهم بعد رحيل موكب الإمام عبد الله إلى مصر.

أما الرسالة الخامسة " منفى" في ثمانين صفحة فتبدأ من رحلة النفي الجماعي عام 1234 هـ  لمن بقي حيا من آل سعود وآل الشيخ بعد أسر وترحيل إمامهم عبد الله.

 وبالفعل تم ترحيل من تم أسره وكان من بينهم بطل الرواية ووالدته مع أربعمائة مهجر  إلى منفاهم في مصر  ويصف الراوي ما عاناه خالد في هذه الرحلة القسرية وتذرف عيناه على فراق أطلال الدرعية ويرسم صورة مؤثرة ومحزنة للذكريات الجميلة التي تركها خالد وهو في طريقه الطويل فالقافلة استغرق وصولها شهرا للمدينة المنورة، ثم إلى ينبع ومنها بحرا إلى السويس ثم القاهرة وخلال هذه الرحلة تصل الأنباء عن اغتيال الإمام عبد الله في إستانبول بعد محاكمة هزليه ينقصها الدفاع والشهود، فتذرف الدموع عليه اختلاسا وتقام عليه صلاة الغائب سرا، وهناك في القاهرة تم إسكان الأسرى الذين أصبحوا أحرارا في بيوت فسيحة في الأزبكية والمورسكي مع صرف راتب شهري لكل فرد من الأسرى الضيوف!!

في القاهرة تبدأ رحلة خالد بن السعود التأملية والفكرية والاجتماعية بل والسياسية وهناك ينطلق إلى مكتبات القاهرة وأزهرها وعلمائها ومقاهيها ، يطلع عن قرب على الآخرين ويحاورهم ويتعلم منهم ويعلمهم ، يتأمل ما قام به محمد علي باشا من إصلاحات لبلاده وعن نظرته في التحديث في التعليم والصناعة والزراعة، والانفتاح على الآخرين ومساعدته للباب العالي في حروبه مع اليونان ثم اجتياحه للأراضي العثمانية وتهديده لأكبر قوة آنذاك  وغير ذلك ، كل هذا ترك إعجابا مخفيا بهذا الرجل ترجم إلى إعجاب علني يوم قابله لإبلاغه بأنه  تم اختياره ليكون على رأس الحملة المتجهة إلى نجد " لقد اصطفيتك يا (أفندي) خالد أنت وبعضا من أهلك لأدوار عظيمة ، تقومون بها مستقبلا في أوطانكم.............."ص 205 

والرسالة السادسة " خيبات " وهي أطول الرسائل وتأخذ نصيب الأسد من الرواية في 114 صفحة، وهي عبارة عن وصف دقيق لاستعدادات الحملة المصرية المتجهة لنجد بقيادة خالد بن سعود لقد استمر الإعداد 14 عاما وخلال فترة التدريب والاستعداد يسرد خالد بن سعود في رسالته المرسلة لأبي راشد واقع الدولة المصرية ودولة الخلافة في الإستانة وزياراته الثلاثة لها وإعجابه بها وفيها يعرض تاريخ الدولة العثمانية وفتوحاتهم لأوروبا وغيرها وكذلك يتعرض لضعف الدولة وأسباب انهيار الرجل المريض ، يستعرض ذلك في فترة الاستعداد أي حتى عام 1252 يوم استدعي على عجل إلى قلعة( صلاح الدين الأيوبي)  لمقابلة الباشا وهناك يحاور محمد علي باشا خالدًا في أمور الطقس والسؤال عن الأهل والسياسة والإصلاح والطموح ، وهنا تبدأ خيبات خالد بن سعود الفعلية لقد وضع أمام مهمة صعبة لقد حانت ساعة الصفر لغزو بلاده وأهله !! الموعد رابع أيام العيد الصغير .. هكذا أمر الباشا..ص 260 ، وأخيرًا وصلت التجريدة المسلحة قصر الرياض بقيادة خالد بن سعود ولكن يسيرها من خلف الكواليس القائد القوي (إسماعيل بك) ثم ( خورشيد باشا)  واعتلى خالد بن سعود منبر المسجد ليعلن سياسته الجديدة للبلاد، وفي الصفحات التي تليها يعطيك الراوي وصفا دقيقا للرياض وأسواقها وشوارعها وعادات أعلها وتقاليدهم ثم تبدأ المعارك مع أتباع فيصل بن تركي والتي انتهت بأسر فيصل بن تركي وترحيله ثانية للقاهرة، وصلت خيبات خالد ذروتها عند فشله في تحقيق حلمه السياسي الذي تلاشى في الهم النجدي وتتوالى الأحداث السياسية العاصفة في نجد وتنتهي بفشل مشروع خالد السياسي ورفضه من قبل النجديين ولا سيما أنهم ذوو حساسية مفرطة من عدو الأمس الذي دعمه، تنتهي خيبات خالد بمغادرته الرياض إلى الإحساء ثم الكويت ثم مكة المكرمة حيث المحطة الأخيرة

ويختم الأميرسيف الإسلام بن سعود روايته بالرسالة السابعة والأخيرة والتي حملت عنوان " نهاية حزن طويل" في أربع وعشرين صفحة يختمها بمأساة خالد بن سعود التي جعلته غريبا عن أهله ووطنه غارقا في حزنه يعاني أمراضا عدة أشهرها طنة في أذنه أفقدته التوازن منذ سنوات عديدة من يوم فشل مشروعه السياسي والاجتماعي الذي ربطه بالغريب. وتنتهي الرواية المأساوية بوفاة البطل الذي كان في نظر كثير من الناس صنيع المصريين والأتراك.

حمل جثمان (الأفندي خالد) إلى الحرم حيث  سيصلى عليه ـ أربعة من رجال نظامة الشاهانية ، ومن خلفهم سار قائدهما ( موسى عبده ) و( أبو الفرج أديب) وجمع من المسلمين.

......وقف أبو الفرج صائحا بين الحجر والمقام:

(لقد صلي قبل قليل على النجدي .. المدعو خالد بن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود كبير الوهابيين.. من يعرف منكم الميت فليتقدم وله الأجر)...ولم يتقدم أحد.

انتهت رواية الأمير سيف الإسلام المكونة من سبع رسائل محكمة اللغة والبيان يستمتع القارئ  بسردها التاريخي ولا سيما الفترة التي تسمى" الدولة السعودية الثانية" ،أراد من خلالها أن يوصل لقارئه عدة رسائل ربما تكون سبع أو أكثر أو أقل ولا أظن أن القارئ لا يكتشفها .

أعلى الصفحة